الرئيسية / أخر الاخبار / د.حسن حنفي يكتب ….إخفاق الحداثة الغربية وصعود موجات التدين فى أوروبا
انقلبت العصور الحديثة على نفسها مائة وثمانين درجة، من النقيض إلى النقيض كما انقلبت هى على عصرها الوسيط من النقيض إلى النقيض، وعادت إلى عصر وسيط جديد. وانتهت قصة سبعمائة عام من التحرر بداية بالعودة إلى الآداب القديمة فى القرن الرابع عشر إلى عصر الإصلاح الدينى فى القرن الخامس عشر إلى عصر النهضة فى السادس عشر إلى العقلانية فى السابع عشر إلى التنوير فى الثامن عشر إلى الثورة الصناعية فى التاسع عشر إلى أزمة القرن العشرين، حربان عالميتان طاحنتان فى أقل من خمسين عاما. ويبدو أن دورة الحداثة الغربية قد اكتملت على مدى سبعة قرون لتبدأ دورة أخرى، العصر الوسيط الجديد. فى حين تبدأ دورة الحداثة فى حضارة أخرى مثل الحضارة العربية الإسلامية تحاول أن تغلق عصر الوسيط منذ قرنين من الزمان بعد أن مرت بالإصلاح الدينى وبعصر الإحياء وتحاول الانتقال إلى النهضة الشاملة. بدأت الحداثة الأوروبية عنيفة نافية هدامة، من النقيض إلى النقيض فى عصر الإحياء فى الرابع عشر بدءا بإيثار الآداب القديمة اليونانية والرومانية على الآداب الوسيطة أوغسطين وبويثيوس. والأدب الوثنى. برومثيوس يسرق النار من الآلهة. وأوليس وزيوس أفضل من الأد..

د.حسن حنفي يكتب ….إخفاق الحداثة الغربية وصعود موجات التدين فى أوروبا

انقلبت العصور الحديثة على نفسها مائة وثمانين درجة، من النقيض إلى النقيض كما انقلبت هى على عصرها الوسيط من النقيض إلى النقيض، وعادت إلى عصر وسيط جديد. وانتهت قصة سبعمائة عام من التحرر بداية بالعودة إلى الآداب القديمة فى القرن الرابع عشر إلى عصر الإصلاح الدينى فى القرن الخامس عشر إلى عصر النهضة فى السادس عشر إلى العقلانية فى السابع عشر إلى التنوير فى الثامن عشر إلى الثورة الصناعية فى التاسع عشر إلى أزمة القرن العشرين، حربان عالميتان طاحنتان فى أقل من خمسين عاما. ويبدو أن دورة الحداثة الغربية قد اكتملت على مدى سبعة قرون لتبدأ دورة أخرى، العصر الوسيط الجديد. فى حين تبدأ دورة الحداثة فى حضارة أخرى مثل الحضارة العربية الإسلامية تحاول أن تغلق عصر الوسيط منذ قرنين من الزمان بعد أن مرت بالإصلاح الدينى وبعصر الإحياء وتحاول الانتقال إلى النهضة الشاملة.
بدأت الحداثة الأوروبية عنيفة نافية هدامة، من النقيض إلى النقيض فى عصر الإحياء فى الرابع عشر بدءا بإيثار الآداب القديمة اليونانية والرومانية على الآداب الوسيطة أوغسطين وبويثيوس. والأدب الوثنى. برومثيوس يسرق النار من الآلهة. وأوليس وزيوس أفضل من الأدب المسيحى حول الأب والابن والروح القدس الذى أخذ وظائف الآلهة اليونانية وأعطاها لآلهة بنى إسرائيل التى تقلل من قيمة الإنسان، تخيفه وترعبه، وتوعده بالعقاب والحرق فى الجحيم. ثم بدأ الإصلاح عنيفا ضد الكنيسة والتوسط بين الإنسان والله واحتكار تفسير الكتاب المقدس لصالح حرية الفهم الذاتى، وضد صكوك الغفران لصالح التوبة الصادقة، وضد العصمة البابوية لصالح الخطيئة البشرية، وضد الشعائر والطقوس الخارجية والمراءاة والتظاهر والنفاق الدينى لصالح الإيمان الخالص والتقوى الصادقة، وضد الهيمنة الرومانية باسم المسيحية على باقى الشعوب لصالح استقلال الشعوب واللغات القومية. ثم استأنف عصر النهضة قوة الرفض للقديم لصالح الجديد، وضد النقل لصالح العقل، وبعيدا عن البحث عن الروح للبحث فى الجسد واكتشاف الدورة الدموية، وضد تقليد القدماء من أجل إبداع المحدثين، وضد التصور المركزى الإلهى للعالم من أجل التصور الإنسانى المركزى للعالم. ثم بدأ القرن السابع عشر بإيثار المنهج على الموضوع، المنهج العقلى عند ديكارت، ألا أقبل شيئا على أنه حق إن لم يبد للعقل أنه كذلك، وأن وجود الإنسان يثبت بفكره “أنا أفكر فأنا إذن موجود”، وأن المعرفة العقلية اليقينية خير من المعرفة اللاهوتية الظنية. ووضع بيكون المنهج الآخر، المنهج التجريبى، ألا يقبل شىء أنه حق إن لم تصدقه التجربة بعد التخلص من أوهام المسرح والسوق والكهف وما تعود عليه الناس على أنه صحيح. فاستبعدت المعجزات وخوارق العادات. واشتد الرفض العقلانى عند سبينوزا برفضه الاستثناءات الديكارتية من المنهج العقلى، العقائد والنظم السياسية والعادات والتقاليد وإثبات أن حرية الفكر ليست خطرا على الإيمان ولا على سلامة الدولة بل إن القضاء على حرية الفكر فيه قضاء على الإيمان الصحيح وأمن الدولة. ثم تفجر العقل فى المجتمع فى القرن الثامن عشر فاندلعت الثورة الفرنسية للقضاء على النظام الملكى والفصل بين الكنيسة كما صاح فولتير “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”. وأصبحت مبادئ الثورة الفرنسية، الحرية والإخاء والمساواة، انجيلا بديلا للغرب وكذلك الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والمواطن وليس لحقوق الله. ثم جاءت الثورة الصناعية فى القرن التاسع عشر لتفجر العقل فى الآلة، وتبدع الثورة التكنولوجية الأولى ثم الثانية. عرفت قوة البخار ثم الكهرباء ثم المغناطيسية ثم الإلكترونية. وأصبح الإنسان سيد الطبيعة. وآمن الغرب بالتقدم اللامحدود. وخلد ذلك فى المعرض الصناعى الذى شيد من أجله برج ايفل. وانتصر الإنسان على كل شىء على الكنيسة وأرسطو وبطليموس. وانتقل الغرب من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، رد فعل على الكنيسة، العقل ضد الإيمان، والعلم ضد الميتافيزيقا، والإنسان ضد الله، والتاريخ ضد العناية الإلهية.

وفى إطار هذا الرد العنيف ألقى الغرب الطفل مع الماء فى طقس العماد طبقا للتشبيه الشائع. ونقلت عنه الشعوب الأخرى، ومنها الشعب العربى، النموذج. وتحولت الحالة الخاصة إلى حالة عامة. وأصبح تقليد الغرب هو نموذج الحداثة وسبيل التقدم: العقلانية، العلمانية، العلمية، الإنسانية، الاشتراكية. وكلها ضد الدين. وكلما اشتد تغريب النخبة قويت محافظة الجماهير. وانشقت الأمة إلى فريقين، علمانيين وسلفيين، وكلاهما يتصارعان على السلطة إذا ما ضعفت الدولة، والدولة تضرب فريقا بفريق طبقا لمظان الخطر. ومازالت الحرب بين الإخوة الأعداء على أشدها.

أقامت الحداثة الأوروبية قاعدتها على المحاولة والخطأ والتجريب بعد رفض النظريات الكلية والمذاهب الشاملة والعقائد الدينية. جربت مختلف الرؤى والنظريات. فلما بان أنها أحادية النظرة جربت الرؤى والنظريات النقيضة. فلما ظهر أيضا أنها أحادية الرؤية جربت نظريات وسيطة تجمع بين النقيضين. فتوالدت المذاهب بعضها من البعض الآخر طبقا لقانون الفعل ورد الفعل، من العقلانية إلى التجريبية إلى العقلانية الجديدة أو التجريبية الجديدة، من الكلاسيكية إلى الرومانسية إلى الكلاسيكية الجديدة أو الرومانسية الجديدة، من الصورية إلى المادية إلى الصورة الجديدة أو المادية الجديدة، من المثالية إلى الواقعية إلى المثالية النقدية أو الواقعية بلا ضفاف. وظل الوعى الأوروبى حائرا بين هذه الاختيارات الثلاثة حتى انتهى إلى النسبية أو الشك أو اللاأدرية أو العدمية. الحقيقة أمامه ولا يستطيع التصويب إليها، كالمشلول الذى يضع يده باستمرار بجانب الشىء وليس عليه ليمسك به. لذلك صاح نيتشه فى أواخر القرن التاسع عشر “إن الله قد مات” وعاش الإنسان. ثم أعلن رولان بارت فى منتصف القرن الماضى موت المؤلف، والكتابة فى درجة الصفر. وجاءت تيارات ما بعد الحداثة لتعلن نهاية الحداثة، والمذاهب الكبرى، والروايات الشاملة. مهمتها التفكيك وليس التحليل. التفكيك من أجل التفكيك فى حين أن التحليل من أجل اكتشاف الوحدات الأولى وإعادة التركيب. واتهم العقل بأنه “لوجو ماخوس”. وتحول الفكر إلى كتابة، والمعانى إلى وحدات كتابية كما يقول دريدا فى “الجرماتولوجيا”. وأصبح العالم متشظيا لا يجمعه جامع حتى يسهل على العولمة ابتلاعه جزءا جزءا. وتنبأ فلاسفة التاريخ فى الغرب بأزمة الوعى الأوروبى، وبأنه قد تخلى عن حداثته التى طالما ضحى من أجلها بشهداء الفكر مثل جيوردانو برونو الذى حُرق علنا فى روما، واسبينوزا الذى تمت محاولة اغتياله من الطائفة اليهودية، وجاليليو الذى سجن، ودانتون الذى وضع تحت المقصلة وغيرهم. فأعلن هوسرل “أزمة العلوم الأوروبية” وأنها استبدلت الواقع بالماهية أو وقعت فى الموازاة بين الظاهرتين النفسية والجسمية. ورأى ماكس شيلر “قلب القيم” عندما أصبح الحق باطلا والباطل حقا، والواقع قيمة، والقيمة واقعا بعد فصل الوعى الأوروبى بين حكم الواقع وحكم القيمة بدعوى العلم والموضوعية والحياد. ولخص برجسون الحضارة الغربية بأنها مجرد آلة لصنع آلهة جديدة. وتحدث سولوفييف عن “أزمة الفلسفة الغربية” وضياعها بين الدين والعلم والوضعية. وكتب بول آزار “أزمة الوعى الأوروبى” كاشفا عن جذوره فى القرن التاسع عشر. وكتب رسل “محاكمة الحضارة الغربية”. وكتب اشبنجلر من قبل “أفول الغرب” متنبئا بنهايته إن لم تنبت فيه دوافع جديدة رآها البعض فى النازية والعنصرية والقوة والغزو، والأسطورة والدين، دماء أوروبية جديدة بعد أن صفيت الدماء الأولى فى تجارب الحداثة. وإذا كانت الحداثة قد تخلت عن الدين لصالح العلم فإن نقد الحداثة يتخلى عن العلم لصالح الوثنية الجديدة. فملكوت السماء وهم سواء كان الدين القديم أو البديل الجديد فى العقل والعلم. ولا يوجد إلا ملكوت الأرض. تخلى الوعى الأوروبى عن مسيحيته، وعاودته يهوديته. وتخلى عن يونانيته فى العقل، وعاودته رومانيته فى القوة. وأصبح الوعى الغربى يهوديا رومانيا يؤمن بالاختيار والتفوق والقوة والهيمنة أكثر منه مسيحيا يونانيا يؤمن بالفضائل المسيحية وفى مقدمتها حب الجار والتواضع أو العقل اليونانى والتمسك بالمثال الأفلاطونى أو المنطق الأرسطى أو الأخلاق الرواقية والعيش وفقا للعقل كما عاش الحكيم.

بدأ الوعى الأوروبى حلا لأزمته البحث عن البديل فعاد إلى الدين فى صورته المحافظة، عقائد الخلاص والإيمان والألوهية والرسالة والاختيار مزجا بين المسيحية واليهودية فى المسيحية الصهيونية التى تؤمن بالمعاد وتحقيق الوعد وتأسيس الدولة اليهودية فى فلسطين، وإعادة بناء هيكل سليمان. لم تسيطر الصهيونية فقط على مراكز المال والاقتصاد بالولايات المتحدة بل أيضا على العقيدة والفكر والأيديولوجيا بعد أن سقطت المنظومة الاشتراكية فى أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتى. وأرادت الرأسمالية أن تجدد نفسها من مجرد نظرية فى الاقتصاد إلى نظرية فى العالم والتاريخ والبشر. عاد الدين كما كان فى العصور الوسطى قبل العصور الحديثة، محركا للسياسة ودافعا عليها دون نقد أو تحليل. لم يعد الصراع بين الكنيسة والدولة قائما كما كان فى بداية العصور الحديثة بل تعاون الاثنان. الرئيس الأمريكى يصلى فى الكنيسة، والقسيس داعية فى البيت الأبيض، ومبررا لسياسات الرئيس. واختفت الليبرالية السياسية، والتعددية الفكرية لصالح تفسير محافظ للدين وأحادية النظرة له كما هو الحال فى معظم الاتجاهات السلفية. بل تجاوز العود إلى الدين المسيحية الصهيونية إلى الديانات الشرقية الأسيوية خاصة الهندية والبوذية. وظهرت جماعات كرشنا تلبس المسوح الصفراء، وتحلق الرءوس، وتصفق بالأيدى، وتدق الأجراس، وتسير فى الطرقات، وتقف على محطات المترو وفى الميادين العامة تصدح كمؤشر على البديل من شباب جديد ملتزم بعيدا عن الحياة الدنيا والانغماس فى رأس المال. كما ظهرت ديانات صوفية جديدة تخلق مجتمعات بديلة. يعيش المؤمنون بها فى كميونات عيشة جماعية يمارسون العبادة الجماعية والجنس الجماعى. كما اكتشف آخرون التصوف الإسلامى، وكونوا جماعات المولوية لجلال الدين الرومى، يرقصون ويدورون على أنفسهم والطربوش مائلا على الرأس. والرداء مملوءاً بالهواء، والعباءة تطير فوق الرءوس زاهية الألوان. وانتشرت كتب التصوف الفارسى. وأصبحت بديلا عن الإسلام أو هى الإسلام ذاته. كما انتشرت كتب السحر والخرافة والخيال العلمى وكما وضح أخيرا فى رواية “هارى بوتر” التى وزعت منها الملايين. وأصبحت مؤلفتها بطلة قومية. والبعض الآخر يمارس العنف ويقتل على الهوية، ويقضى على فصل دراسى بالكامل أو يصعد سطح أحد المنازل أو المدارس ليطلق النار على المارة والطلاب. فهو غاضب من عدم الانتماء. ويحتاج إلى بطولة حتى ولو كانت زائفة. يظهر فى الإعلام. ويتصدر عناوين الصحف والأخبار. ويؤكد ذاته عن طريق البطولة الجوفاء حتى ولو سماها المجتمع والقانون جريمة. وتظهر جماعات اليمين من الشباب لقتل المهاجرين أو الملونين دفاعا عن الهوية البيضاء الخالصة، والتخلص من الآخر الغريب، قتلا وحرقا وغرقا لتصفية المجتمع من الدخيل.

انقلبت العصور الحديثة إلى غير ما انتهت إليه ودافعت عنه. وضحت من أجل العقل والعلم والإنسان والحرية والمساواة والتقدم. وظهرت فلسفات مناهضة للعقل، كل الفلسفات الوجودية تقريبا باستثناء ياسبرز وسارتر وميرلوبونتى. فالعقل عاجز على إدراك كل تناقضات الوجود الإنسانى. العقل للأنساق والوجود تناقض. وأرخ لوكاش لكل التيارات المناهضة للعقل فى “هدم العقل”. وجعل برجسون العقل لا يدرك إلا الظاهر والشكل الخارجى والساكن والكمى. والحياة قوة واندفاع وحركة من طبيعة الدين. وأصبحت الفلسفات الوجودية ضد العلم لأن الوجود ليس شيئا كميا موضوعيا بل هو ذاتية لا يمكن تحويلها إلى موضوع كمى. العلم للمادة، والوجود ليس مادة. العقل والعلم من نفس الطبيعة الخارجية الكمية الثابتة. والإنسان هو الفرد المنعزل الذى لا هدف له ولا غاية. لا يشارك أحدا ولا يشاركه أحد. والآخر هو الجحيم عند سارتر. والوجود عدم لا يقوم على شىء، فراغ لا ملاء، وتجويف لا بروز. والإنسان واقف فى محله لا يتحرك، لا مسار أمامه ولا تاريخ وراءه. دمرت الحداثة نفسها بنفسها، وقضت على مكتسباتها. فلم يبق بديلا إلا الدين والخرافة والعنصرية واليهودية الرافضة لغيرها.

كانت الحداثة خارجية، لم تخترق وجدان الوعى الأوروبى. كان دافعها المصلحة والكسب والمنفعة. وتقوم على الأنانية والغرور والرغبة فى القوة والسيطرة. وارتبطت بالعرق والجنس فنشأت النزعات القومية وصراع الإمبراطوريات داخل الغرب مئات السنين. ثم خرجت خارج حدودها إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لتجد مجالا حيويا لها. فنشأت مستعمرات فرنسية وإنجليزية وبلجيكية وهولندية وإيطالية وأسبانية خارج أوروبا. بل استولت أوروبا على نصف الكرة الغربى بعد أن حط كولومبوس عليها. وقضى المهاجرون الجدد الباحثون عن الذهب على أربعين مليونا من السكان الأصليين. ونشأ صراع بين التكنولوجيا والأيديولوجيا. فالتكنولوجيا قادرة على حل الخلافات الأيديولوجية. فالعبرة بالتقدم العلمى والتكنولوجى وليس بالولاء الأيديولوجى. ثم عادت الأيديولوجيا لتنازع التكنولوجيا عرشها. فالدول والمعسكرات والأحلاف انتماءات أيديولوجية مثل العالم الحر، المعسكر الديموقراطى وأخيرا الدين والاختيار الإلهى للرؤساء ورثة الأنبياء. فالدين يعطى الإحساس باليقين بعد تردد الحداثة وشكها فى كل بديل. وعندما يتعب الشعور الحضارى ويترهل ولا يعود قادرا على البحث فإنه يرتكن إلى أى يقين. واليقين الأكثر مباشرة هو اليقين الدينى.

وإذا كانت الحضارة الغربية قد أكملت دورتها الثالثة فى عصورها الحديثة، الأولى الدورة الكلاسيكية اليونانية الرومانية، والثانية الدورة المسيحية فى العصور الوسطى، والثالثة هى دورة العصور الحديثة، كل منها سبعة قرون فقد تبدأ حضارات أخرى دورات جديدة فى الصين أو الهند أو الحضارة العربية الإسلامية التى أكملت دورتها فى عصرها الذهبى الأول فى القرون السبعة الأولى حتى ابن خلدون على مدى سبعة قرون. ثم تحاول أن تكمل دورتها الثانية الوسيطة منذ فجر النهضة العربية منذ مائتى عام، سبعة قرون أخرى. فقد تكون الآن على أعتاب دورة ثالثة، عصورها الحديثة وهو ما يكشف عنه الصراع الدائر الحالى بين القديم والجديد، وبيم التقليد والاجتهاد، وبين النقل والإبداع، (تلك الأيام نداولها بين الناس).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *